ابن خلدون

17

رحلة ابن خلدون

القاهرة في أول ذي القعدة من السّنة نفسها . وفي منتصف رمضان سنة 789 غادر مرسى الطور ، على الجانب الشرقي من بحر السويس متّجها إلى الديار المقدّسة لقضاء فريضة الحجّ ، عبر ميناء ينبع ، وفي ثاني ذي الحجة وصل إلى مكّة ، فقضى فريضة الحج ، وعاد إلى مصر عبر ينبع الميناء ، ومرّ بساحل القصير ، ومدينة قوص ( قاعدة الصّعيد ) . ووصل إلى القاهرة في شهر جمادى الأولى من سنة 790 ه . وفي سنة 802 سافر إلى بلاد الشام حاجا إلى بيت المقدس . ولعلّه لم يكن ليخطر في باله أن يعود مرّة أخرى إلى هذه البلاد بالطّريقة التي تمّت بها . ففي سنة 803 شدّ الرّحال إلى الشام في ركاب الجيش المتهيّئ للمدافعة عنها في وجه تيمور لنك وجيشه . فوصل إلى غزّة ومنها إلى دمشق . وبعد فترة عصيبة قضاها في دمشق ، عاد إلى مصر عبر غزّة فوصلها في شعبان من سنة 803 ه ، بعد أن شهد حادثا تاريخيا دراماتيكيا سيكون له أبلغ الأثر على المشرق العربي برمّته ، ألا وهو سقوط دمشق في يد التّتار واحتلالها والتنكيل بأهلها كما سنعرض لاحقا . والواقع أن سيرة ابن خلدون في المشرق العربي ، كما يتّضح في هذا الكتاب ، تنطوي على شيء غير قليل من الالتباس في بعض جوانبها ، ولا يطمح تحقيق ابن تاويت لهذا الكتاب إلى رفع الالتباس عن هذه السّيرة ، بمقدار ما يحاول أن يكون أمينا لرواية ابن خلدون لسيرته الذاتية ، ودقيقا ما استطاع في تخريج يوميّات رحلته بين مغرب العالم الإسلامي ومشرقه . على أن الفرق والاختلاف بين رواية ابن خلدون وروايات آخرين للوقائع نفسها ، إنما نجد نموذجا له في واقعة لقاء ابن خلدون بتيمور لنك . فالمؤرّخ الذي وصل إلى دمشق الشام سنة 803 قادما من مصر في صحبة السلطان الملك الناصر فرج في عهد الخليفة العباسي المتوكّل على الله ، كان وسلطانه يسابقان التّتار إليها ، وحين دخلها السلطان ضرب خيامه وأبنيته بساحة قبّة يلبغا . وحسب رواية ابن خلدون فقد يئس تيمور لنك من اقتحام المدينة ، وظلّ الطّرفان في حالة استعداد وترقّب ورصد أكثر من شهر . تجاول العسكران خلالها ثلاث مرات أو أربع ، من دون أن تكون الغلبة لطرف ، لكنّ خبرا جاء من مصر عن وقوع فتنة هناك جعل الملك النّاصر ينسحب من المدينة